نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

45

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

والخامس : أن يكون عاملا بما يأمر به لكيلا يعير به ولئلا يدخل تحت قوله تعالى أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ . وروى أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « رأيت ليلة أسري بي إلى السماء رجالا تقرض شفاههم بالمقاريض فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال خطباء أمتك الذين كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون » يعني يتلون كتاب اللّه وهم لا يعملون بما فيه . وقال قتادة : ذكر لنا أن في التوراة مكتوبا : يا ابن آدم تذكرني وتنساني وتدعو إلي وتفر مني فباطل ما تذهبون . وروى أبو معاوية الفزاري بإسناده عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « أنتم على بينة من ربكم » يعني على بيان من ربكم ، « قد بين اللّه تعالى لكم طريقكم ما تظهر فيكم السكرتان سكرة العيش وسكرة الجهل ، فأنتم اليوم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتجاهدون في سبيل اللّه ، وستحولون عن ذلك إذا فشا فيكم حب الدنيا فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر وتجاهدون في غير سبيل اللّه ، والقائمون يومئذ بالكتاب سرا وعلانية كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار » . وروى الحسن رحمه اللّه تعالى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا فقد استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسّلام » يعني أن إبراهيم هاجر من أرض حران إلى الشام وهو قوله تعالى وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وقال إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ إلى طاعة ربي وإلى رضا ربي . وقد هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من مكة إلى المدينة ، فمن كان في أرض فيها المعاصي فخرج منها ابتغاء مرضاة اللّه تعالى فقد اقتدى بإبراهيم ومحمد المصطفى صلوات اللّه وسلامه عليهما فيكون رفيقهما في الجنة . قال اللّه سبحانه وتعالى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني إلى طاعة اللّه ورسوله ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يعني وجب ثوابه على اللّه تعالى ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أيما مسلم خرج من بيته مهاجرا إلى اللّه تعالى ورسوله ووضع رجله في غرز راحلته ولو خطوة واحدة ثم نزل به الموت أعطاه اللّه تعالى مثل أجور المهاجرين ، وأيما مسلم يخرج من بيته قاصدا في سبيل اللّه فرفصته دابته قبل القتال أو لدغته هامة أو مات كيفما مات فهو شهيد ، وأيما مسلم خرج من بيته إلى بيت اللّه الحرام ثم نزل به الموت قبل بلوغه أوجب اللّه تعالى له الجنة » . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه تعالى : ومن لم يهاجر من أرضه وهو يقدر على أداء فرائض اللّه تعالى فلا بأس أن يقيم هناك ويكون كارها لمعاصيهم فهو معذور . وروي عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : بحسب امرئ منكم أنه إذا رأى منكرا لا يستطيع له تغييرا أن يعلم اللّه من قلبه أنه له كاره . وروي عن بعض الصحابة رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : إذا رأى أحد منكم منكرا لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات : اللهم إن هذا منكر فلا تؤاخذني به . فإذا قال ذلك فله